عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

383

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وأما الحمى المعتادة فهي التي أمسكها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، وهي التي تكون بالأرض الطيبة ، والبلاد الهنيئة الصحيحة هواؤها وماؤها . وأما الثالث : - وهو تخصيص الأنصار بها - ففي " المسند " ( 1 ) أيضاً ، و " صحيح ابن حبان " ( 2 ) عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : « اسْتَأْذَنَتِ الْحُمَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ : أُمُّ مِلْدَمٍ ، قَالَ : فَأَمَرَ بِهَا إِلَى أَهْلِ قُبَاءَ ، فَلَقُوا مِنْهَا مَا يَعْلَمُ اللَّهُ ، فَأَتَوْهُ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا شِئْتُمْ : إِنْ شِئْتُمْ أَنْ أَدْعُوَ اللَّهَ لَكُمْ يَكْشِفَهَا عَنْكُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَكُونَ لَكُمْ طَهُورًا . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَتَفْعَلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : فَدَعْهَا » . وخرج الخلال في كتاب " العلل " من حديث سَلْمَان الفارسي قَالَ : « اسْتَأْذَنَتِ الْحُمَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ أَنْتِ ؟ قَالَتْ : أَنَا الْحُمَّى أَبْرِي اللَّحْمَ ، وأَمُصُّ الدَّمَ . قَالَ : اذْهَبِي إِلَى أَهْلِ قُبَاءَ . فَأَتَتْهُمْ . فَجَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدِ اصْفَرَّتْ وُجُوهُهُمْ ، فَشَكَوُا الْحُمَّى إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَا شِئْتُمْ ، إِنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللهَ فَكَشَفَهَا عَنْكُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُمُوهَا ، فَأسْتَنْظَفَتْ بَقِيَّةَ ذُنُوبِكُمْ ، قَالُوا : بَلْ دَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ » . وقد كان كثير من السلف الصالح يختار الحمى لنفسه - كما سبق عن أبي بن كعب أنه دعا لنفسه بالحمى . وروي من وجه آخر من حديث أبي سعيد البخاري قال : " قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا ، مَا لَنَا بِهَا ؟ قَالَ : كَفَّارَاتٌ . قَالَ : أُبَيٌّ : وَإِنْ قَلَّتْ ؟ قَالَ : وَإِنْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا . قَالَ : فَدَعَا اللهُ أُبَيٌّ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ الْوَعْكُ حَتَّى يَمُوتَ ! فِي أَنْ لاَ يَشْغَلَهُ عَنْ حَجٍّ ، وَلَا عُمْرَةٍ ، وَلَا جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَلَا صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ . فَمَا مَسَّهُ إِنْسَانٌ إِلَّا وَجَدَ حَرَّهُ حَتَّى مَاتَ " .

--> ( 1 ) ( 3 / 316 ) . ( 2 ) كما في " الإحسان " ( 2935 ) .